عادل عبد الرحمن البدري
49
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ، ومن خاصّة أهلك ، ومن لك فيه هوى من رعيّتك ، فإنّك إلّا تفعل تظلم ! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجّته ، وكان لله حرباً حتّى ينزع أو يتوب . وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فإنّ الله سميع دعوة المضطهدين ، وهو للظالمين بالمرصاد . وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ ، وأعمّها في العدل ، وأجمعها لرضى الرعيّة ، فإنّ سخط العامّة يجحف برضى الخاصّة ، وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضى العامّة . وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء ، وأقلّ معونةً له في البلاء ، وأكره للإنصاف ، وأسأل بالإلحاف ، وأقلّ شكراً عند الإعطاء ، وأبطأ عذراً عند المنع ، وأضعف صبراً عند ملمّات الدهر من أهل الخاصّة ، وإنّما عماد الدين ، وجماع المسلمين ، والعدّة للأعداء ، العامّة من الأمّة ، فليكن صِغوك « 1 » لهم وميلك معهم . وليكن أبعد رعيّتك منك وأشنأهم « 2 » عندك ، أطلبهم لمعائب الناس ، فإنّ في الناس عيوباً ، الوالي أحقّ من سترها ، فلا تكشفنَّ عمّا غاب عنك منها . فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك ، والله يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحبّ ستره من رعيّتك . أطلق عن الناس عقدة كلّ حقد ، واقطع عنك سبب كلّ وِتر ، وتغاب عن كلّ ما لا يضح « 3 » لك ، ولا تعجلنَّ إلى تصديق ساع فإنَّ الساعي غاشّ ، وإن تشبّه بالناصحين . ولا تُدخلنّ في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ، ولا جباناً يضعفك عن الأمور ، ولا حريصاً يزين لك الشره « 4 » بالجور ، فإنَّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظنّ بالله .
--> ( 1 ) الصغو : الميل والاستماع . اللسان ( صغا ) . ( 2 ) الشنآن : البغض . اللسان ( شنأ ) . ( 3 ) أي ما لم يظهر ، والوضوح : الظهور والبيان . ينظر اللسان ( وضح ) . ( 4 ) الشره : الحرص . اللسان ( شره ) .